شعر الفصحى وسنينه ( الرمز والرمزية )

شعر الفصحى وسنينه ( الرمز والرمزية )

دكتور / أحمد صلاح كامل

الرمز هو المعادل الموضوعي للفكرة أو القضية أو المعنى الذي يريد المبدع أن يشير إليه ويتم ابتداع هذا الرمز أو استحضاره بدقة شديدة مع إحكام العلاقات بين جزئياته في هندسة دقيقة بحيث لا يكون بين تلك الجزئيات تعارض في الدلالة ، وبحيث تكون قادرة في نهاية المطاف على التلميح بما يريده الشاعر دون خلط أو التباس عبر مفاتيح دلالية تسمى قرائن الترميز ، وسأضرب لك مثلا توضيحيًا لذلك فإذا أردنا أن نعبر عن فكرة الموت في سبيل الحق فإننا نستطيع أن نستدعي شخصية كشخصية” يوحنا المعمدان ” يحيى عليه السلام أو شخصية كشخصية عمر المختار فكلٌ منهما رمز للرجل الذي قدم حياته دفاعًا عن حق قاله أو اعتنقه أو جاهد من أجله ولم يرضخ لمحاولات الترهيب والترغيب التي مارستها السلطة القاهرة في زمانه كما لم يقع أيضًا في غواية المال أو الأنثى ، ولا يمكن ونحن نقدم هذا الرمز الدال على الموضوع أن نجعله يتناقض مع ما يعتنقه أو يجنح بعيدا عنه أو تبدوا عليه علامات التردد، كما لا يجب أن نقدم من خانوه أو قتلوه أو تآمروا عليه في صورة الأبطال لأن هذا لا يتفق والجدوى المرجوة من الرمز بل يهدم البناء الداخلي للرمز وما يدل عليه .
وغالبًا ما يلجأ المبدع للرمز والرمزية لسببين : أولهما هو الخوف من الجهر بفكرته صراحةً خشية القهر والقمع من السلطة التي يعيش في ظلالها ، أما السبب الثاني فيرجع للفيض الدلالي الكبير الذي ينتج عن الرمز والرمزية والذي يكسب العمل عمقًا أكبر ويجعله قابلًا لتأويلات عدة ، كما يجعله قادرًا على تجاوز المكان والزمان ليعيش أطول فترة ممكنة في الوجدان الإنساني متجاوزًا الارتباط بالتفاصيل اليومية أو العادات والسلوكيات المحددة لمجتمع من المجتمعات .
من هنا فنحن أمام خطوتين هامتين ولازمتين للبناء الرمزي ، الأولى هي : كيف نوجد رمزًا مساويًا للموضوع الذي نريد طرحه ، كيف نعكس الموضوع الذي يشغلنا عبر مرآة الرمز لا لتظهر كل تفاصيل الموضوع بشكله الآني وملامحه المعاصرة ، بل يكفي أن تُظْهِرَ تلك المرآةُ الموضوعَ بخصائصه وصفاته اللازمة ، ولا ضير إن ظهرت بعض التفاصيل البسيطة كقرائن ترشد وتشير على قصد المبدع ، أما الخطوة الثانية : فلابد لهذا الرمز الذي استقر عليه المبدع أن يكون متسقًا في كل جزئياته ، وأن ينمو بصورة تتفق مع الغرض منه ، فلا يمكن أن أرمز لمصر بسفينة تتحرك وسط الأمواج ثم أجعل السفينة تتحول إلى سمكة تغوص في أعماق البحار ثم تأكلها سمكة أخرى ، هنا سيصبح استخدام الرمز عبثًا لا طائل منه . وسيدل الاستخدام للرمز بهذه الصورة على أن المبدع لا يملك رؤيةً ولا إدراكًا لما هو بصدده ، ولا لكيفية بناء الرمز وآلياته .
أقول هذا لأن الكثيرين ممن يدعون الإبداع ويحبون أن تشيع حولهم نظرات التبجيل والتعظيم ويسعون أن ينالوا التحفيل والتكريم على عمقهم الشديد ومراميهم البعيدة وملكاتهم المعقدة يلجأون إلى استحضار الرمز لا ليعبروا به عن شيء ، وهم لا يعنيهم أن يراعوا تناسقًا للعلاقات بين أجزائه ، بل يتركون أوهامهم تستدعي علاقات بلهاء وساذجة بين تفاصيله ليوهموا المتلقي بعظم ما يقصدون وخطر ما يطرقون ، وهم في واقع الأمر لا يشيرون على شيء لا فكرة ولا موضوع ولا معنى مجرد أوهام وهراء ، وخذ مثالًا على ذلك ربما ييسر الأمر عليك ، فهذا نص شعري فصيح لشاعر كبير وفحل يجلجل به في كثير من المحافل :
يا موسي اخلع نعليك
واحمل خفيك على كفيك
وتوارى من نظرات القوم عليك
في أي بلادٍ سيبيض اليعسوب
فتندفع الأسراب إليك
يا موسى .. موسى .. يا موسى
هل تسمع صوتي
أم قطعوا الإرسال عليك ؟
وهنا نجد أن الشاعر استحضر رمزًا تاريخيًّا كبيرًا هو موسى عليه السلام لكنه لم يشر به إلى موضوع أو معنى يود طرحه كقضية تؤرقه كمبدع ، بل لم يهتم بإقامة علاقات متسقة بين جزئيات الرمز ( موسى _ اخلع _ نعليك _ احمل _ خفيك _ توارى _ من نظرات القوم _ في أي بلاد _ سيبيض اليعسوب – تندفع الأسراب _ إليك _ يا موسى _ هل تسمعني _ قطعوا الإرسال -عليك ) ما العلاقات المتسقة بين كل تلك الجزئيات وعلام تشير ؟ وما الحكمة من الأمر اخلع نعليك ؟ أهو ولع بذكر الآية فحسب ؟ وما الحكمة من الأمر” واحمل خفيك على كفيك ” ؟ أهو مشاكلة للأمر في الآية الكريمة ؟ وما العلاقة بين الأمرين ؟ وما العلاقة بين البلاد وبيض اليعسوب والأسراب المندفعة إليه ؟ وإلى أي شيءٍ تشير؟ وكيف يسمعه موسى أو كيف لا يسمعه ؟ ومن صاحب المصلحة في قطع الإرسال عليه ؟ أهو تركيب للإدهاش فحسب ؟ كل هذه الأسئلة لابد أن يكون الرمز بجزئياته قادرًا على الإجابة عليها قبل طرحها ،
على العكس من ذلك إذا قرأت قصيدة ( مقابلة خاصة مع ابن نوح ) لأمل دنقل فستجده استحضر طوفان نوحٍ كرمز على الانهيار الوشيك الذي يواجه هذا المجتمع وهذا الوطن ، هذا الطوفان الذي صنعه الفاسدون وهم أول من سيفر من وجهه ، تاركين جميع المناضلين والعاشقين للوطن كي يغرقوا فيه ، لقد أحدث أمل دنقل قلبًا دلاليًّا للقصة التاريخية فهذه المرة ومع قدوم هذا الانهيار ( الطوفان ) لن يفر في السفينة هؤلاء الأتقياء الأنقياء البررة ، بل سيفر كل الفاسدين والمرابين والكهنة وراقصة المعبد ، سيفر كل من ساهموا في هذا الانهيار :
جاء طوفان نوح .. هاهم الجبناء يفرون نحو السفينة
بينما كنت .. و كان شباب المدينة
يلجمون جواد المياه الجموح
ينقلون المياه على الكتفين و يستبقون الزمن
يبتنون سدود الحجارة
علهم ينقذون مهاد الصبا و الحضارة
علهم ينقذون الوطن!
هنا يبدو الشاعر مدركًا ويقظًا لما يقوم به في عملية البناء الرمزي ، فلا تجد تعارضًا بين جزئياته ولا تجد تخبطًا أو عشوائية في نسيجه ، بل ستجد وعيًا عاليًا في قدرته على نحت التفاصيل الدقيقة في تناغم كبير بين أجزاء الرمز وما يريده منه ، ليشير على موضوعه في وضوح يلتحف بعمق الرمز والأسطورة .

Related posts